رسم صندوق النقد الدولي صورة شديدة القتامة لمسار الاقتصاد اللبناني، متوقعاً تسجيل انكماش حاد خلال العام 2026، وسط استمرار التضخم في خانة العشرات واتساع عجز الحساب الجاري بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة. وفي ختام زيارة بعثته إلى بيروت برئاسة إرنستو راميريز ريغو، حذر الصندوق من أن التوترات الأمنية والصراع المستمر ألحقت أضراراً بالغة بالبنية التحتية وفاقمت أزمة النزوح الداخلي، ما انعكس ضغطاً هائلاً على المالية العامة ومستويات المعيشة، رغم تمكن السلطات من الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار المالي.
وفي صلب المشهد المالي، وضعت بعثة صندوق النقد الدولي خارطة طريق واضحة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي اللبناني، مرحبة بالتعديلات المقرة أخيراً على قانون معالجة أوضاع المصارف. إلا أن الصندوق اشترط صراحة ضرورة استكمال مشروع قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع وفق المعايير الدولية، مشدداً على قاعدة لا تقبل المساومة تتمثل في احترام تراتبية الخسائر، بحيث لا يجوز إطلاقاً تحميل المودعين أي أعباء قبل استنفاد رساميل المساهمين والدائنين من الدرجات الدنيا، وبما يضمن قيام قطاع مصرفي سليم لا يهدد استدامة الدين العام.
أما على صعيد الموازنة، فقد ألقى التقرير الضوء على ما يشبه “القنبلة الموقوتة” المتمثلة في تمويل رواتب القطاع العام، محذراً من التداعيات الخطيرة لتأخر تفعيل قرار رفع ضريبة القيمة المضافة (TVA) إلى 12 في المائة، وهي الخطوة التي كانت مخصصة أساساً لتمويل زيادات الأجور المقرة. ودعا الصندوق بحزم إلى وقف أي تعديلات عشوائية ومستقبلية على الرواتب والمعاشات التقاعدية من دون تأمين إيرادات ضريبية فعلية مقابلة، مع التوصية بإدراج النفقات الممولة خارجياً بوضوح في موازنة 2027 وتوجيه الأولويات نحو الإنفاق الرأسمالي ودعم النازحين.
وللخروج من هذه الدوامة، أكد راميريز ريغو أن تثبيت الموازنات السنوية واستعادة ثقة المجتمع الدولي لا يمكن أن يتحققا إلا من خلال إقرار إطار مالي متوسط الأجل يتمتع بالمصداقية والشفافية. واعتبر الصندوق أن هذا الإطار يُعد الممر الإلزامي لتوفير مساحة آمنة لتمويل برامج إعادة الإعمار وبناء شبكات حماية اجتماعية، وصولاً إلى استكمال النقاشات النشطة لإبرام برنامج دعم مالي رسمي وشامل ينتشل لبنان من أزمته الاقتصادية غير المسبوقة.
